
مدونة الشغل وضرورة مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة "رؤية استشرافية لمدونة الشغل في ظل التعديل المرتقب"
في إطار التعديل الذي أعلنت عنه وزارة الوظيفة العمومية والعمل مؤخرا، لأحكام القانون رقم 017/ 2004 الصادر بتاريخ 06 يوليو 2004 المتعلق بمدونة الشغل، أود أن أؤكد على أهمية تحيين قانون العمل وضرورةِ تحديثه من حين لآخر، مما يجعله مواكبًا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية الحديثة، ومنسجماً مع المعايير الدولية للعمل، وفي هذا المضمار، أود أن أدلي هنا ببعض المقترحات لعلها تساهم أو تفيد في هذا الإصلاح الذي تنوي الحكومة القيام به في مجال تشريعات و سياسات العمل.
وبناءً على ذلك، سنتناول في هذا المقال جملة من المتطلبات اللازمة التي أرى أنها ضرورية لتطوير قانون العمل، بعضها قائم بالفعل لكنهُ يحتاج إلى مزيد التفعيل و بعضها الآخر نأمل إدراجه في التعديل المرتقب، وسنعرض هذه المقترحات - دون تعمق - وذلك من خلالِ المحاور الآتية :
أولا : تعزيز الحماية الاجتماعية للعامل
تتمثلُ الحماية الاجتماعية للعامل في مجموعة الوسائل والضمانات القانونية أو الاقتصادية التي منحها المشرع لصالح العامل، باعتباره الطرف الأضعف في علاقة العمل، وذلك بهدف الحد من تعسفِ المشغل، وضمان الحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية والمهنية، للعامل، وتحقيق التوازن في العلاقةِ التعاقدية.
ولعل من أبرز هذه الضمانات :
حق الأجر وما تعلق به من مستحقات، والعمل على رفعِ الحد الأدنى من الأجر الذي ما زال ضعيفا مقارنة مع مستلزامات ومتطلبات العيش الكريم
حقه في العمل اللائق : من خلال وضعهِ في ظروف آمنة أي بيئة عمل سليمة تضمن له سلامته البدنية والنفسية.
المحور الثاني : مواكبة التحول الرقمي لأنماط العمل الحديثة
يشهدُ العالم اليوم تطورا متسارعاً بحكم الثروة الرقمية وما صاحبها من تحولات تكنولوجية أثّرت على مختلف الميادين بما فيها ميدان العمل، فقد ظهرت أنماط جديدة من التشغيل والعمل عن بعد والعمل عبر المنصات الرقمية، وأصبحت عقودُ العمل تبرم بواسطةِ وسائل وأدوات إلكترونية، الأمرُ الذي جعل العديد من القواعد التقليدية لأحكام عقد العمل بحاجة إلى مراجعة وتطويرٍ، ومن هنا تظهر الحاجة الماسة إلى وضعِ إطار قانوني ينظّم هذا النوع من العقود مما يكفل حقوق طرفي علاقة العمل، ولا سيما العامل باعتباره الطرف الضعيف، كما ينبغي في ضوء ذلك أن يتجاوز هذا التحول علاقة العمل إلى المؤسسات الإدارية والقضائية المختصة بالعمل، ويتأتى ذلك من خلال رقمنةِ الإجراءات المتعلقة بالمصالحة والتفتيش والتصاريح الإدارية، عبر إنشاء منصة إلكترونية خاصة بمفتشية الشغل تتيح تقديم الشكاوى واستدعاء الأطراف والتصريح بالعمال ومتابعة الملفات، وبالفعل فقد شرعت بعض الدول مثل الجزائر، في رقمنة عدد من خدمات العمل، نظرا لما في ذلك من توفير الوقت والجهد وتقريب الإدارة من المرتفقين.
المحور الثالث : تعزيز الحوار الاجتماعي داخل المؤسسة.
لا ريب أن الحوار الاجتماعي، يعدّ وسيلة ودية فعالة للحد من الخلافات العمالية داخل المؤسسة، كما يساهمُ الحوار في إشراك العمال في القضايا التي تخص أوضاعهم المهنية والاجتماعية، ولا يمكن أن يتعزز الحوار إلا بتفعيل الدور النقابي داخل المؤسسات ونشر ثقافة الحوار والتشاور والقدرة على التفاوض بين العمال وأرباب العمل، كما أنه من المناسب - جدا - استحداث آليات مؤسسية للمصالحة والتسوية الودية الداخليةِ للنزاعات المهنية داخل كل مؤسسة، يعرض عليها النزاع قبل عرضه على الهيئات الخارجية "مفتشية الشغل ".
المحور الرابع : التركيز على الآليات البديلة لتسوية منازعات العمل
تعدّ الوسائل البديلة لتسوية المنازعات من أهم الآليات الحديثة لمعالجة النزاعات العمالية، فهي آليات فعالة للحيلولة دون النزاعات، نظرا لما تتميز به من السرعة والسهولة والسرية، فضلا عن تجنب الأطراف أعباء وتكاليف التقاضي.
وقد خص المشرع الوساطة والتحكيم أساسا بالنزاعات الجماعية، نظرا لما قد يترتب عليها من آثار تهدد السلم الاجتماعي، بينما أسند الفصل في المنازعات الفردية إلى قضاء العمل، وفقا لأحكام المادة 306 من م ش . كما أوجب اتباع مسطرة المصالحة قبل رفع الدعوى القضائية، وجعل محاولة الصلح شرطا شكليا لقبوله، وفقا لأحكام المادة 292 من م ش . ونظرا لتزايد النزاعات الفردية، فإن المناسب توسيع نطاق هذه الآليات لتشمل تسوية النزاعات الفردية، لما لها من أثر وفعالية في تسوية منازعات العمل.
خامسا : ضرورة تعزيز الأمن القانوني والقضائي في علاقة العمل
لا شك أن الأمن القانوني يعدّ من أهم مقوماتِ الدول المعاصرة القائمة على سيادة القانون، ويعني هذا المبدأ استقرار القواعد القانونية المتعلقة بعلاقات العمل، بقدر من الثبات يكفل استقرار المراكز القانونية للأفراد ، ويضمن لهم ممارسة حقوقهم في إطار قانوني واضح ومحدد، الأمر الذي يحقق الطمأنينة والاستقرار داخل المجتمع ...
ولا ريب أن مبدأ الأمن القانوني يشكل إطارًا عاماً تندرج تحته عدة مبادئ ذات صلة، لعل من أهمها مبدأ الأمن القضائي، الذي يعدّ وسيلة أساسية لحماية الأمن القانوني، من خلال التطبيق السليم للقانون وضمان استقرار الاجتهاد القضائي، بما يعزز ثقة الأفراد في المؤسسات القضائية.
ولا يمكن أن يتحقق الأمن القضائي إلا من خلالِ قضاءٍ عادلٍ وفعال يضمن الحقوقَ ويحميها، ومن هذا المنطلق نرى ضرورة توسيعِ دائرة الشغل المختصة، والعمل على تبسيطِ وتسريع إجراءات التقاضي أمام هذه المحاكم، مع تحديد آجال معقولة للفصل في القضايا بحسب طبيعة الوقائع وما يترتب عليها، إضافة إلى تكوين قضاة مختصين في القانون الاجتماعي، إذ من شأن هذه الإجراءات أن تعزز وتقوّي ثقة المتقاضين في القضاء ، وأن تساهم في تحقيق الأمن القانوني والقضائي في علاقة الشغل.
سادسا : تعزيز وسائل الرقابة والتفتيش :
أوكل المشرع مهمة رقابة تطبيق تشريع العمل و السهر على احترامه إلى مجموعة من الهيئات الإدارية، وفي مقدمتها مفتشية الشغل، وفقا لمقتضيات المادة : 369 من م ش وهي جهاز إداري تابع لوزاة الوظيفة العمومية والعمل، مكلف بالتفتيش والرقابة على احترام قوانين العمل، يتكون هذا الجهاز - أساسا - من موظفين عموميين، (مفتشين ومراقبي شغل) منحهم المشرع صلاحيات محدودة في إطار ممارسة مهام التفتيش والرقابة والمصالحة في النزاعات.
غير ان السؤال الذي يطرح نفسه عند الحديث عن هذا الجهاز هو : هل استطاعت مفتشية الشغل تحقيق الأهداف التي أناط بها المشرع، سواء على مستوى مراقبة قوانين الشغل أو على مستوى تسوية النزاعات المفروضة عليها ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال بصورة تفصيلية تتطلب دراسة مستقلة لا يتسع لها المقام، إلا أنه يمكن القولُ بإيجاز إن هذا الجهاز يواجه العديد من الصعوبات والتحديات العملية، من أبرزها محدودية الوسائل المادية واللوجستية الضرورية لممارسة رقابة فعالة ، فضلا عن إطار قانوني واضح ومتكامل ينظّم عمله، ومع ذلك، يظل جهاز مفتشية الشغل يؤدي دورًا محوريا لا غنى عنه في ميدان الشغل والتشغيل.
وفي هذا السياق ، نرى أن من المناسب تنظيم هذا الجهاز بموجب قانون مستقل بدلا من الاكتفاء بالمراسيم التنظيمة ، الأمر الذي يعزز مكانته القانونية ويرفع فعاليته الرقابية، كما يبدو من الضروري تحقيق الانسجام بين المرسوم رقم 193-2024 الصادر بتاريخ 11 أكتوبر 2024، المحدد لصلاحياتِ الوزير المكلف بالوظيفة العمومية وتنظيم الإدارة المركزية لقطاعه، والقانون رقم 017-2004 الصادر بتاريخ 6 يونيو 2004 المتضمن مفتشية الشغل. ويلاحظ في هذا الصدد أن المرسوم المذكور استحدث في مادته 68 تسمية جديدة لمفتشيات الشغل، هي "مندوبيات العمل"، مع الإبقاء على الوظائف والاختصاصات ذاتها. ومن ثم، فإن إزالة هذا اللبس، حتى لا أقول الإشكال القانوني، من الأهمية بمكان. ومن ضمن الإجراءات الكفيلة أيضاً بتعزيز الرقابة والتفتيش، تحسين الظروف المهنية لموظفي هذا الجهاز، وتوفير التكوين المستمر لهم، فضلاً عن تعزيز آليات التنسيق والتواصل بين مفتشية الشغل والمحاكم المختصة بما يسهم في الرفع من فعالية تطبيق تشريع العمل وتسوية النزاعات المهنية.
وختاماً، نؤكد أن مراجعة مدونة الشغل، أصبحت تفرضها التحولات الاقتصادية الاجتماعية والتكنلوجية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر. ولا ينبغي ان تختزل هذه المراجعة في الأحكام او المواد المتفرقة، بل يتعين أن تنطلق من رؤية استشرافية شاملة، تتماشى مع التحولات الاقتصادية العالمية، حينها تكون مدونة الشغل سايرت التطلعات والتحولات الجديدة، وأدت الدور المنوط بها، وذلك لخلق توازن بين حماية العامل وتشجيع الاستثمار وحماية المؤسسات، وانطلاقا من ذلك فإن الأخذ بالمقترحات السابقة من شانه أن يُساهم في تطوير تشريع العمل وتحديثه، بما يجعله أكثر قدرة على مواكبة المستجدات، وأكثر انسجاما مع المعايير الدولية، وبذلك يحقق التوازن المنشود بين متطلباتِ التنمية الاقتصادية ومقتضيات العدالة.
أ. المختار محمدنوح احمدبدات
طالب باحث بسلك الدكتوره.
(1).gif)






.jpg)

