ولد سالم فال: اللامركزية رافعة التنمية المتوازنة

أحد, 07/26/2026 - 20:26

حمل المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء الجمعة 24 يوليو 2026، رسالةً جوهرية مفادها أن مقدرات الوطن لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا بالاستثمار، والخبرة، وحسن التسيير، ويكتمل أثرها حين تنعكس على حياة المواطنين في مختلف جهات البلاد، فتتحول الثروات والإمكانات إلى تنميةٍ شاملة، وعدالةٍ في توزيع الفرص والخدمات.

 

ومن هذا المنطلق، تتجدد أهمية اللامركزية باعتبارها الخيار المؤسسي الذي يترجم هذه الرؤية إلى سياسات عملية، فيقرّب القرار التنموي من المواطنين، ويمنح الجماعات الترابية دورًا فعليًا في تحديد الأولويات، والتخطيط، وتنفيذ المشاريع، وتوجيه الاستثمارات بما ينسجم مع احتياجات كل جهة ومؤهلاتها. وهنا يلتقي الإنصاف الترابي مع العدالة في توزيع الخدمات والاستثمارات، ضمن رؤية تجعل المواطن محور السياسات العمومية وغايتها.

 

ومنذ تولي فخامة رئيس الجمهورية قيادة البلاد سنة 2019، شهد مسار اللامركزية والتنمية المحلية نقلةً نوعية، بدأت بإعداد الاستراتيجية الوطنية للامركزية والتنمية المحلية، ثم مصادقة مجلس الوزراء عليها في سبتمبر 2020. كما تم إنشاء المجلس الوطني للامركزية والتنمية المحلية سنة 2021، برئاسة فخامة رئيس الجمهورية شخصيًا، بما يعكس المكانة الاستراتيجية التي تحتلها اللامركزية في المشروع الإصلاحي للدولة. وجاء إشراف فخامته على افتتاح المؤتمر العادي الثامن لرابطة العمد الموريتانيين، في فبراير 2024، في سابقة من نوعها، ليؤكد المكانة المتقدمة التي أصبحت تحتلها البلديات والمنتخبون المحليون في المنظومة التنموية الوطنية. ثم تعزز هذا البناء المؤسسي باستحداث وزارة منتدبة مكلفة بترقية اللامركزية والتنمية المحلية، في أغسطس 2024، بما وفر قيادة قطاعية أكثر تخصصًا، ومتابعةً أقرب لسياسات اللامركزية والتنمية المحلية.

 

وفي موازاة ذلك، يتقدم العمل على إصلاح منظومة تمويل الجماعات الترابية، وصولًا إلى موارد مالية أكثر ملاءمة، واستقرارًا، وقابليةً للتنبؤ، بما يعزز قدرتها على الاضطلاع بمسؤولياتها التنموية. كما يتواصل تحديث الإطار القانوني المنظم لعملها، وبناء قدرات المنتخبين، وأطر وعمال الجماعات الترابية، والتحضير لنقل بعض الصلاحيات إليها؛ ذلك أن الجماعة الترابية القادرة تحتاج إلى صلاحيات واضحة، وموارد كافية، وكفاءات مؤهلة، تضمن حسن التخطيط، وجودة التنفيذ، واستدامة الأثر التنموي.

 

وعلى أرض الواقع، تتجسد هذه الرؤية في برامج واسعة ومشاريع ملموسة. فقد أُطلق البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة نواكشوط (9 بلديات) في 20 يناير 2025، من بلدية الرياض، بميزانية إجمالية بلغت نحو 6.1 مليارات أوقية جديدة. كما انطلق البرنامج الاستعجالي لتعميم النفاذ إلى الخدمات الضرورية للتنمية المحلية في إحدى عشرة ولاية، في نوفمبر 2025، من مدينة النعمة، بميزانية بلغت نحو 27 مليار أوقية جديدة، ويستهدف 223 بلدية من أصل 238 بلدية، بما يوسع دائرة الاستفادة من خدمات التعليم، والصحة، والمياه، والكهرباء، وفك العزلة، ودعم الأنشطة الشبابية والإنتاجية.

 

وفي يوليو 2026، عُرض أمام مجلس الوزراء برنامج تنمية مدينة نواكشوط II، الذي تقدر كلفته بـ11.5 مليار أوقية جديدة، والمقرر انطلاقه خلال الأسابيع المقبلة، لاستكمال ما تحقق في برنامج نواكشوط I، وتوسيع التدخلات في القطاعات ذات الأولوية، وتحسين الوجه الحضري للعاصمة. أما البرنامج التنموي لولاية داخلت نواذيبو (6 بلديات)، فقد بلغ مرحلة متقدمة بعد استكمال مسودة خطة عمله، تمهيدًا لاعتمادها والشروع في تنفيذها خلال الأشهر القادمة، بكلفة تتجاوز 30 مليار أوقية جديدة.

 

وتتابع الحكومة، بإشراف معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد أجاي، تنفيذ هذه البرامج، وتسريع وتيرة إنجازها، بما يضمن تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى مشاريع وخدمات يلمس المواطن أثرها المباشر في حياته اليومية، ويعزز الثقة في العمل العمومي، ويكرس التنمية المتوازنة بين مختلف جهات الوطن.

 

ومن موقعي في خدمة هذا الورش الوطني، أستشعر أن ما تحقق يمثل قاعدةً صلبةً للبناء، لكنه يضاعف، في الوقت ذاته، مسؤوليتنا الجماعية لمواصلة الإصلاح، وتسريع وتيرة الإنجاز، وتعزيز قدرات الجماعات الترابية، ومتابعة تنفيذ المشاريع حتى تحقق أهدافها التنموية المنشودة، وفق أعلى معايير الكفاءة والحوكمة.

 

فالإنصاف الترابي لا يكتمل إلا عندما يجد المواطن، أينما كان، خدمات الماء، والكهرباء، والتعليم، والصحة، وطرقًا سالكة، وفرصًا اقتصادية واعدة. وتلك هي الغاية التي تخدمها اللامركزية: جماعات ترابية أقوى، وصلاحيات حقيقية، وموارد كافية، وتنمية متوازنة تصل آثارها إلى جميع المواطنين، وتجسد رؤية فخامة رئيس الجمهورية في بناء دولة عادلة، متماسكة، ومتوازنة التنمية.

 

لقد تحقق للمجموعات الترابية ولسكانها، منذ تولي فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، قيادة البلاد سنة 2019، ما لم يتحقق منذ إنشاء البلديات سنة 1986، ثم الجهات سنة 2018. وتعكس هذه الإنجازات والإصلاحات إرادةً سياسية صادقة لدى فخامة رئيس الجمهورية لترسيخ تنمية شاملة ومتوازنة، وتعزيز الاستقرار، وتحقيق توزيع أكثر إنصافًا للثروات والفرص بين مختلف جهات الوطن.

 

يعقوب ولد سالم فال

الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية وترقية اللامركزية والتنمية المحلية، المكلف باللامركزية والتنمية المحلية.

 

نواكشوط، 25 يوليو 2026.

إعلانات

تابعونا